*سيدي محمد ولد الطلبة/ صحفي مقيم بإسبانيا

تُعدّ العلاقات الموريتانية السنغالية من أكثر العلاقات الثنائية حساسية وأهمية في الفضاء الغرب إفريقي، بحكم الجوار الجغرافي، وتشابك المصالح، وتداخل الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والأمنية.
فهي علاقات لا تحكمها الدبلوماسية التقليدية وحدها، بل تفرضها الجغرافيا وضرورات الاستقرار الإقليمي.
ولا بدّ للسلطات الموريتانية، بحكم التجربة والتوازنات الداخلية، أن تدرك أن الحفاظ على متانة هذه العلاقة واستقرارها لا يعني بالضرورة تحقيق مكاسب اقتصادية متكافئة، بقدر ما يعني قبل كل شيء درء الضرر الممكن، وتفادي أي توتر قد ينعكس سلبًا على أمننا الاجتماعي أو تماسكنا الحدودي.
وعلى العقل السياسي الموريتاني أن يتعامل مع هذه الشراكة من زاوية وقائية وبراغماتية، تقوم على إدارة المخاطر أكثر من السعي وراء جني أرباح لا وجود لها أصلًا.
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى وضوح استراتيجي في توجيه البوصلة الوطنية؛ فموريتانيا، إذا أرادت تحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية حقيقية والاستفادة من نقل التكنولوجيا وتطوير البنى التحتية، فإن بوصلتها ينبغي أن تتجه شمالًا، حيث تتوفر فرص الاستثمار والشراكات المتقدمة.
أما جنوبًا، فإن الرهان يظل أمنيًا بالدرجة الأولى، ويتصل بالحفاظ على الاستقرار، والتوازن الديموغرافي، وتحييد مصادر الهشاشة المحتملة، بما يجعل العلاقة مع الجوار الجنوبي علاقة إدارة استقرار أكثر منها علاقة تعظيم أرباح.
في المقابل، تحقق السنغال من هذه العلاقة الثنائية فوائد ملموسة، خصوصًا على الصعيد الاقتصادي، سواء عبر النفاذ إلى الموارد البحرية الموريتانية، أو من خلال الاستفادة من سوق العمل في موريتانيا، الذي يستقطب عشرات الآلاف من العمال السنغاليين، فضلًا عن انسيابية الحركة التجارية، إضافة إلى الدور الحيوي الذي تضطلع به موريتانيا كعمق جغرافي واستراتيجي يفتح آفاقًا للجارة الجنوبية نحو شمال إفريقيا والعالم العربي.
لكن لا ينبغي أن يعني هذا التفاوت في طبيعة المكاسب اختلالًا في جوهر العلاقة، بقدر ما يعكس اختلافًا في أولويات البلدين؛ فبينما من حق السنغال البحث عن تعظيم الفائدة الاقتصادية، ينبغي على موريتانيا السعي إلى تثبيت الاستقرار، وضمان حسن الجوار، وتحييد أي تدخل سنغالي في الشأن المحلي.
ومن هنا، تكتسب أي زيارة رسمية رفيعة المستوى، كتلك التي يؤديها الوزير الأول المختار ولد أجاي إلى داكار برفقة عدد كبير من الوزراء، أهمية خاصة، باعتبارها فرصة لإعادة ضبط التوازنات، والتأكيد على أن التعاون الحقيقي لا يقوم فقط على ما يُجنى من فوائد، بل أيضًا على ما يُتجنب من أضرار، وهو منطق أثبت نجاعته في الحفاظ على واحدة من أكثر العلاقات تشعبًا في المنطقة.





