عادت العلاقات الموريتانية-المالية إلى واجهة التوتر الدبلوماسي بعد تبادل بيانات حادة على خلفية اتهامات صدرت عن الجيش المالي، غير أن التحرك الدبلوماسي السريع في نواكشوط أظهر مسعى واضحاً لاحتواء الأزمة وفق النهج الهادئ الذي يتبعه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة علاقات موريتانيا مع جيرانها في منطقة الساحل.
وجاءت أحدث الإشارات إلى هذا التوجه من خلال تدوينة لوزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوق أعلن فيها استقباله سفير جمهورية مالي لدى نواكشوط باكاري دومبيا، مؤكداً أن اللقاء شكّل فرصة لاستعراض علاقات الأخوة بين البلدين وتبادل وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.
ورغم أن صياغة التدوينة بدت هادئة ودبلوماسية، فإنها جاءت بعد ساعات فقط من بيان رسمي شديد اللهجة أصدرته الخارجية الموريتانية رداً على ما اعتبرته اتهامات “غير مؤسسة” وردت في بيان هيئة الأركان العامة للجيش المالي.
اتهامات باماكو ورد نواكشوط
وكانت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة في مالي قد أعلنت أن عنصرين من الجيش المالي تمكنا من الفرار من مكان احتجازهما لدى جماعات مسلحة داخل مخيم للاجئين في موريتانيا قبل أن يعودا إلى الأراضي المالية ليلة 13 إلى 14 مارس.
ووفق البيان المالي، فقد وصل العسكريان إلى مدينة غوندام شمال البلاد حيث تسلمتهما السلطات العسكرية وفتح تحقيق في ظروف احتجازهما وفرارهما.
لكن الحكومة الموريتانية ردت ببيان حازم أعربت فيه عن “الاستغراب والاستنكار” من هذه المزاعم، مؤكدة رفضها القاطع لما وصفته باتهامات لا تستند إلى أي دليل وتنطوي على إساءة لموريتانيا.
وشدد البيان على أن صدور مثل هذه الادعاءات دون تقديم أدلة أو اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية المناسبة يمثل تصرفاً غير مقبول في العلاقات بين الدول.
⸻
مخيم امبرّه في قلب الجدل
وتركز الجدل حول مخيم امبرّه للاجئين الواقع في ولاية الحوض الشرقي، والذي يستضيف منذ ما يقارب ثلاثة عقود عشرات الآلاف من اللاجئين الماليين وغيرهم.
وأكدت الخارجية الموريتانية أن المخيم يخضع لإشراف دائم من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ومنظمات إنسانية دولية، وأن العاملين في المجال الإنساني يتمتعون بوصول مستمر إليه، ما يجعل الادعاء بوجود جماعات إرهابية تحتجز أشخاصاً داخله أمراً “داحضاً بصورة بديهية”.
كما ذكّرت نواكشوط بأن مسؤولين من الحكومة المالية الحالية زاروا المخيم سابقاً وأشادوا بالمهنية التي تدير بها السلطات الموريتانية أوضاع اللاجئين.
⸻
بين الحزم الدبلوماسي وضبط النفس
وعلى الرغم من حدة البيان الرسمي، حرصت موريتانيا على التأكيد في ختامه أنها تفضل اعتماد الحوار المباشر والتواصل الدبلوماسي مع السلطات المالية تفادياً لأي تصعيد.
ويرى مراقبون أن هذا التوازن بين الرد الحازم والتمسك بالحوار يعكس أسلوب إدارة الأزمات الذي اعتمده الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى السلطة، خصوصاً في الملفات المرتبطة بدول الجوار في منطقة الساحل.
ففي الوقت الذي تسعى فيه نواكشوط إلى حماية صورتها وسيادتها والرد على أي اتهامات تمسها، فإنها تتجنب في المقابل دفع الخلافات نحو مواجهة سياسية أو إعلامية مفتوحة.
⸻
علاقات معقدة في سياق إقليمي مضطرب
وتأتي هذه الحادثة في سياق إقليمي شديد التعقيد تشهده منطقة الساحل، حيث تواجه مالي منذ سنوات تحديات أمنية كبيرة بسبب نشاط الجماعات المسلحة في شمال ووسط البلاد، وهو ما أدى إلى موجات نزوح واسعة نحو الدول المجاورة، وفي مقدمتها موريتانيا.
كما أن الحدود الطويلة بين البلدين تجعل التنسيق الأمني بينهما مسألة حيوية في مواجهة التهديدات المشتركة.
⸻
اختبار جديد للدبلوماسية الهادئة
في ضوء هذه المعطيات، تبدو الأزمة الحالية اختباراً جديداً للدبلوماسية الموريتانية التي تحاول الجمع بين الدفاع عن موقفها الرسمي والحفاظ في الوقت نفسه على علاقات حسن الجوار مع باماكو.
وبين بيان رسمي حازم وتدوينة دبلوماسية هادئة، تحاول نواكشوط إرسال رسالة مزدوجة:
التمسك بالسيادة والوقائع من جهة، والإبقاء على باب الحوار مفتوحاً مع الجار المالي من جهة أخرى.
وهو نهج يعكس، في نظر كثير من المتابعين، الأسلوب الذي يفضله الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في إدارة الأزمات الإقليمية المعقدة.





