في مساء شتوي لطيف، عقدت شركة BIS TP التابعة لرجل الأعمال زين العابدين ولد الشيخ أحمد مؤتمراً صحفياً بفندق آتلانتيك، في نواكشوط، خصصته للرد على التصريحات التي أدلى بها رئيس منظمة “الشفافية الشاملة” محمد ولد غدة، بشأن مشروع آفطوط الشرقي، وهو المشروع الذي تحول خلال العامين الأخيرين إلى ملف عمومي يثير نقاشاً واسعاً حول الصفقات العمومية ومعايير تنفيذها.
وقال مدير الشركة بدو ولد السالك في مستهل النقطة الصحفية، التي حضرها موفد موقع “صدى ميديا”، وعدد من الصحفيين، إن BIS TP تتحفّظ عن الخوض في التفاصيل الدقيقة لكون الملف بات بين يدي القضاء، لكنها – في الوقت ذاته – لن تتخلى عن حقها القانوني في الرد على ما وصفه بـ “الخرجات الإعلامية غير الدقيقة” التي تمسّ سمعة الشركة ومصداقيتها.
ردود على الاتهامات بالأدلة والقرائن
قدّم ولد السالك رواية الشركة حول ما اعتبره “سلسلة مغالطات عجيبة” وردت في تصريحات رئيس المنظمة محمد ولد غده، موضحا أن المنظمة قالت إنها أجرت رحلة ميدانية امتدت أسبوعين لمعاينة الأعمال، إلا أن ولد غده – حسب قول ولد السالك – نفى أمام قاضي التحقيق قيام أي عضو من المنظمة بزيارة المشروع أو مقابلة ربّ العمل أو الوزارة أو حتى المقاول، معتبراً ذلك دليلاً على “غياب الخبرة والمنهجية”.

وأشار المدير إلى أن الحديث عن مراقبة منظمة “الشفافية الشاملة” للمشروع غير منطقي، لأن مناقصة آفطوط الشرقي أطلقت سنة 2016، في حين لم يُعلن عن إنشاء المنظمة إلا في 2023، مؤكداً أن الشركة فازت بالصفقة عبر مناقصة قانونية تقدمت لها 11 شركة.
وفي رده على اتهامات تتعلق بعدم وصول المياه للقرى، أكد ولد السالك أن الأنابيب والخزانات نُفذت بالكامل، وأن السلطات المحلية أوضحت خلال المعاينة القضائية أن المشكلة “لا تتعلق بغياب الشبكات، بل بانخفاض الإنتاج”.
أرقام متضاربة و”تضخيم متعمد”
ودافع السالك عن سلامة المنشآت، قائلاً إن الحديث عن “نقص ثلاثة أبراج” محاولة للتقليل من حجم الأشغال، مشيراً إلى أن الشركة استلمت المشروع وفيه 352 حنفية عمومية، ليصل العدد لاحقاً إلى 398 حنفية موزعة على 25 خزاناً بعد زيادة الطلبات المحلية.
كما ردّ على ما قيل عن أن تكلفة الخزانات بلغت 662 مليون أوقية قديمة، مؤكداً أن المبلغ لا يتجاوز 400 مليون. ونفى أيضاً أن تكون كلفة الحنفية العمومية وصلت إلى 1.3 مليون أوقية قديمة، قائلاً إن سعرها “في حدود 500 ألف فقط”.
واتهم المدير منظمة الشفافية بـ “تضخيم مقصود” في الأرقام أو الخلط بين أسعار تتعلق بصفقات أخرى “قد تكون المنظمة معنية بها”، على حد تعبيره.

تمسك بالقضاء… ودعوة لخبرة فنية محايدة
وجددت الشركة خلال المؤتمر طلبها بإجراء خبرة فنية جديدة ومحايدة، معتبرة أن بعض التقارير المتداولة أخيراً خلطت بين الدراسة التقديرية والدراسة التنفيذية، ولم تُدرج في تقييمها أشغالاً ملحقة من بينها الطريق الترابي المصاحب للشبكة المائية.
وتعود قضية هذا الملف إلى سنة 2023 حين نشرت منظمة “الشفافية الشاملة” تقريراً اتهم عدداً من الصفقات العمومية – ومن بينها مشاريع آفطوط الشرقي – بوجود “اختلالات” في إجراءات المنح والتنفيذ.
وفي مارس 2024، رفعت شركة BIS TP شكوى قضائية ضد المنظمة تتهمها بـ”القذف والتشهير ونشر معلومات غير صحيحة بقصد الإضرار بسمعتها”.
وفي فبراير من نفس العام، عقد تجمع شركات CSE – VERA – BIS TP مؤتمراً صحفياً قدّم فيه عرضاً فنياً عن المشروع، ودعا وسائل الإعلام لزيارة ميدانية “للاطلاع على الحقيقة بعيداً عن التأويلات”.
وفي أكتوبر 2024، قبلت المحكمة العليا الموريتانية إجراء خبرة قضائية فنية في الملف، ورفضت تعقيب النيابة العامة، لتصبح الخبرة الطريق القانوني الفاصل في النزاع.
ومطلع ديسمبر الجاري، تسربت خلاصات أولية تشير إلى ملاحظات تتعلق بالكميات المنفذة والكلفة، فبادرت BIS TP إلى الاعتراض عليها، معتبرة أنها لا تستوفي معايير الدقة والحياد.
وبين الاتهامات المتبادلة، والملفات الفنية المعقدة، والمعركة القضائية المستمرة، يبدو أن الحسم النهائي في قضية آفطوط الشرقي لن يكون قريباً، وأن كلمة الفصل ستظل بيد القضاء والخبرات الفنية المعتمدة، في انتظار ما سيكشفه التحقيق من حقائق قد تغيّر مسار الجدل الدائر حول واحد من أكبر مشاريع المياه في البلاد.





