حسمت موريتانيا أمرها ودخلت رسميًا سباق الترشح لقيادة منظمة التعاون الإسلامي، حيث كشفت الرئاسة عن ترشيح وزير الخارجية الأسبق إسماعيل ولد الشيخ أحمد لمنصب الأمين العام لـمنظمة التعاون الإسلامي، في خطوة تأتي ضمن رؤية أوسع لتحصين الحضور الموريتاني داخل المنظمات الدولية.
ويأتي هذا الترشيح متزامنًا مع تحرك آخر نحو منظمة دولية موازية، هي منظمة الفرانكفونية، في إشارة إلى مقاربة دبلوماسية مزدوجة تستهدف توسيع دائرة النفوذ الموريتاني على أكثر من جبهة، وتعتمد في جوهرها على معادلة دقيقة تحتاج إلى دعم إفريقي واسع ومساندة من دول الخليج، إلى جانب مؤازرة معتبرة من دول شمال وغرب إفريقيا.
هذا الإعلان، رغم طابعه الرسمي، لم يكن معزولًا عن سياق سياسي ودبلوماسي أكثر تعقيدًا، إذ تكشف التحركات الموازية خلال الأسابيع الأخيرة عن أن الترشيح لم يأتِ فجأة، بل سبقه إعداد هادئ وشبكة اتصالات واسعة شملت أطرافًا محورية داخل منظومة القرار في العالم الإسلامي.
وقد استقبل وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك سفير تركيا في نواكشوط، برهان كوروغلو، في لقاء يسبق الإعلان الرسمي، ما يعكس تحركًا استباقيًا مع أحد أبرز الفاعلين داخل المنظمة. كما تكثفت الاتصالات لاحقًا مع الجانب الخليجي، خصوصًا مع المملكة العربية السعودية، حيث جرى استقبال سفيرها عبد العزيز بن عبد الله الرقابي ثلاث مرات خلال فترة وجيزة، وهو ما يُقرأ دبلوماسيًا باعتباره مؤشرًا على متابعة ملف محدد وليس مجرد لقاءات بروتوكولية عادية، خاصة أن الرياض تمثل مركز الثقل الأهم داخل المنظمة بحكم موقعها السياسي ومقرها الدائم.
ولم يقتصر التحرك الموريتاني على هذين المحورين، بل امتد ليشمل سفراء دول الخليج كافة، إلى جانب سفراء الجزائر والمغرب وليبيا، في مسعى واضح لبناء شبكة دعم إقليمي متعددة المستويات، تجمع بين التأثير الخليجي والامتداد المغاربي، مع محاولة تحييد أي تباينات محتملة داخل الإقليم نفسه. ويعكس هذا التحرك إدراكًا متقدمًا لطبيعة المنافسة داخل منظمة التعاون الإسلامي، حيث لا تُحسم المناصب عبر الترشيحات فقط، بل عبر هندسة دقيقة للتوازنات بين الكتل الإقليمية الكبرى.
وتزداد أهمية هذا الحراك عند النظر إلى سوابق المنصب، الذي تعاقب عليه شخصيات من مدارس سياسية وجغرافية متعددة، من بينها الأمين العام الحالي حسين إبراهيم طه، إلى جانب مسؤولين بارزين من السعودية وتركيا والمغرب، ما يعكس نمطًا غير مكتوب من التناوب بين مراكز النفوذ داخل المنظمة. وفي هذا السياق، يبرز اسم ولد الشيخ أحمد، الذي راكم خبرة واسعة داخل الأمم المتحدة في ملفات معقدة مثل اليمن وليبيا وسوريا، كمرشح يمتلك رصيدًا دوليًا معتبرًا، لكنه في المقابل يدخل سباقًا تحكمه اعتبارات سياسية وتوافقات إقليمية أكثر من المعايير التقنية البحتة.
وبين هذا الحراك المتسارع وتعدد القنوات المفتوحة، تبقى الصورة النهائية للسباق غير مكتملة، إذ لم تُعلن حتى الآن مواقف واضحة من القوى الحاسمة داخل المعادلة، وفي مقدمتها السعودية وتركيا، إضافة إلى مواقف الدول الإفريقية والعربية المؤثرة.
ومع ذلك، فإن كثافة الاتصالات وتزامنها مع إعلان الترشيحين الموريتانيين تعطي انطباعًا بأن نواكشوط لا تتحرك بشكل عفوي، بل وفق رؤية دبلوماسية تسعى إلى تحويل الترشيح من مجرد طموح وطني إلى خيار توافقي داخل المنظومة الإسلامية الأوسع.
